القرطبي

5

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( نزل عليك الكتاب ) يعني القرآن ( بالحق ) أي بالصدق ، وقيل : بالحجة الغالبة . والقرآن نزل نجوما : شيئا بعد شئ ، فلذلك قال " نزل " والتنزيل مرة بعد مرة . والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة فلذلك قال " أنزل " والباء في قول " بالحق " في موضع الحال من الكتاب ، والباء متعلقة بمحذوف التقدير آتيا بالحق ولا تتعلق ب‍ " نزل " ، لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر ، ولا يتعدى إلى ثالث . و " مصدقا " حال مؤكدة غير منتقلة ، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق ، أي غير موافق ، هذا قول الجمهور . وقدر فيه بعضهم الانتقال ، على معنى أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره . قوله تعالى : ( لما بين يديه ) يعنى من الكتب المنزلة ، والتوراة معناها الضياء والنور ، مشتقة من ورى الزند وورى لغتان إذا خرجت ناره . وأصلها تورية على وزن تفعلة ، التاء زائدة وتحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفا ويجوز أن تكون تفعلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح كما قالوا في جارية : جاراة ، وفى ناصية ناصاة ( 1 ) ، كلاهما عن الفراء . وقال الخليل : أصلها فوعلة ، فالأصل وورية ، قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج ( 2 ) ، والأصل وولج فوعل من ولجت ، وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها . وبناء فوعلة أكثر من تفعلة . وقيل : التوراة مأخوذة من التورية ، وهي التعريض بالشئ والكتمان لغيره ، فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح ، هذا قول المؤرج . والجمهور على القول الأول لقوله تعالى : " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين " ( 3 ) يعنى التوراة . والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل ، ويجمع على أناجيل وتوراة على توار ، فالإنجيل أصل لعلوم وحكم . ويقال : لعن الله ناجليه ، يعنى والديه ، إذ كانا أصله . وقيل : هو من نجلت الشئ إذا استخرجته ، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم ، ومنه سمي الولد والنسل نجلا لخروجه ، كما قال : إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم * أصاغرهم وكل فحل لهم نجل

--> ( 1 ) هي لهجة طائية ، يقولون في مثل جارية جاراة ، وناصية ناصاة وكاسية كاساة . ( 2 ) التولج : كناس الظبي أو الوحش الذي يلج فيه . ( 3 ) راجع ج 11 ص 295